ابراهيم بن عمر البقاعي

641

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

إلى العفة ، وبالانتصار إلى الشجاعة ، حتى لا يظن ظان أن إذعانهم لما مضى مجرد ذل ، والقصر على المماثلة دعاء إلى فضيلة التقسيط بين الكل وهي العدل ، وهذه الأخيرة كافلة بالفضائل الثلاث ، فإن من علم المماثلة كان عالما ، ومن قصد الوقوف عندها كان عفيفا ، ومن قصر نفسه على ذلك كان شجاعا ، وقد ظهر من المدح بالانتصار بعد المدح بالغفران أن الأول للعاجز والثاني للمتغلب المتكبر بدليل البغي . ولما كان شرط المماثلة نادبا بعد شرع العدل الذي هو القصاص إلى العفو الذي هو الفصل لأن تحقق المثلية من العبد الملزوم للعجز لا يكاد يوجد ، سبب عنه قوله : فَمَنْ عَفا أي بإسقاط حقه كله أو بالنقص عنه لتتحقق البراءة مما حرم من المجاوزة وَأَصْلَحَ أي أوقع الإصلاح بين الناس بالعفو والإصلاح لنفسه ليصلح اللّه ما بينه وبين الناس ، فيكون بذلك منتصرا من نفسه لنفسه فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أي المحيط بجميع صفات الكمال فهو يعطيه على حسب ما يقتضيه مفهوم هذا الاسم الأعظم ، وهذا سر لفت الكلام إليه عن مظهر العظمة وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما زاد اللّه عبدا بعفو إلا عزا » « 1 » . ولما كان هذا ندبا إلى العفو بعد المدح بالانتصار ، بين أن علته كراهة أن يوضع شيء في غير محله لأنه لا يعلم المماثلة في ذلك إلا اللّه ، فقال مضمرا إشارة إلى أن المثلية من الغيب الخفي مؤكدا لكف النفس لما لها من عظم الاسترسال في الانتصار : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * أي لا يكرم الواضعين للشيء في غير محله دأب من يمشي في مأخذ الاشتقاق إذا كان عريقا في ذلك سواء كان ابتداء أو مجاوزة في الانتقام بأخذ الثأر . ولما كان هذا سادا لباب الانتصار لما يشعر به من أنه ظلم على كل ، قال مؤكدا نفيا لهذا الإشعار : وَلَمَنِ انْتَصَرَ أي سعى في نصر نفسه بجهده بَعْدَ ظُلْمِهِ أي بعد ظلم الغير له وليس قاصد البعد عن حقه ولو استغرق انتصاره جميع زمان البعد . ولما بين تعالى ما لذلك الناظر في مصالح العباد المنسلخ من خط نفسه إحسانا إلى عباد اللّه من الرتبة العليا ، بين ما لهذا الذاب عن نفسه القاصد لشفاء صدره وذهاب غيظه ، فقال رابطا للجزاء بفاء السبب بيانا لقصور نظره على دفع الظلم عن نفسه ، ويجوز كون مِنْ موصولة والفاء لما للموصول من شبه الشرط . ولما عبر أولا بالإفراد فكان ربما قصر الإذن على الواحد لئلا تعظم الفتنة ، جمع

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه مسلم 2588 والترمذي 2029 وابن حبان 3248 وابن خزيمة 2438 والبيهقي 4 / 187 و 8 / 162 وأحمد 2 / 235 و 386 و 438 من حديث أبي هريرة .